حذّر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي من استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في مدينة تعز، في ظل استمرار الحصار والإغلاق المتكرر لطرق الإمداد، مؤكدًا أن التحسن النسبي في توافر بعض السلع الأساسية لا يعكس انفراجًا مستدامًا، في وقت تتفاقم فيه معاناة الأسر الأشد فقرًا والمرضى والنازحين، وتتزايد المخاطر التي تهدد النشاط التجاري والأمن الغذائي والمياه والخدمات الصحية.
وأوضح المركز، في الإحاطة الثالثة حول الوضع الاقتصادي والإنساني في تعز، التي تغطي الفترة من 10 إلى 21 أكتوبر 2026، أن دخول شحنات محدودة من القمح والدقيق، إلى جانب المخزون السلعي لدى التجار، أسهم في عودة بعض المواد الأساسية إلى الأسواق، إلا أن استمرار إغلاق طريق الإمداد الوحيد بصورة متكررة يهدد بنفاد المخزون وعودة الأسعار إلى مستوياتها المرتفعة.
وأشار المركز إلى أن طريق الضباب لا يزال المنفذ البري الوحيد لدخول الإمدادات إلى المدينة، ويفتح لبضع ساعات بصورة شبه يومية، مع إغلاقات متكررة تعيق حركة الشاحنات والمواطنين. واعتبر أن هذا النمط من الفتح والإغلاق يحدّ من انتظام وصول السلع، ويزيد تكاليف النقل ومخاطر التوريد، رغم التحسن المؤقت في المعروض بالأسواق.
وبيّنت الإحاطة أن سعر كيس الدقيق الأبيض، وزن 50 كيلوغرامًا، تراجع من 60 ألف ريال في بعض المحال بتاريخ 12 أكتوبر إلى نحو 50 ألف ريال في معظم المحال المرصودة بحلول 17 أكتوبر، مقارنة بـ38 ألف ريال قبل التصعيد العسكري الأخير. كما انخفض سعر البنزين في السوق السوداء من نحو 90 ألف ريال لكل 20 لترًا في 12 أكتوبر إلى 60 ألف ريال في 17 أكتوبر، لكنه ظل قرابة ضعف مستواه قبل التصعيد.
وفي المقابل، ظلت أزمة الغاز المنزلي حادة، إذ تراوح سعر الأسطوانة بين 25 ألفًا و40 ألف ريال، فيما نفدت أول مقطورة غاز وصلت إلى المدينة منذ بداية الشهر في يوم وصولها، وسط إقبال واسع من المواطنين وشحّ في الإمدادات المنتظمة.
ونقل المركز عن مدير مكتب الصناعة والتجارة في تعز، عبدالرحمن القليعة، تحذيره من أن التحسن التمويني «مؤقت جدًا»، مشيرًا إلى أن تكرار إغلاق طريق الإمداد كل يوم أو يومين يدفع التجار إلى تقليص الكميات الموردة وتأجيل الشحنات أو العزوف عن النشاط التجاري والانتقال إلى مناطق أخرى.
وأكد المركز أن التداعيات الاقتصادية للحصار لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وشح السلع، بل امتدت إلى تقويض ثقة التجار وإضعاف النشاط الاقتصادي، حيث تؤدي مخاطر انقطاع الطرق إلى زيادة تكاليف التوريد، وتقليص حجم الشحنات وتواترها، ورفع هوامش الأسعار، بما يضاعف الأعباء على الأسر محدودة الدخل والعاملين بالأجر اليومي والنازحين الذين فقد كثير منهم مصادر دخلهم.
وعلى الصعيد الإنساني، لفتت الإحاطة إلى اتساع فجوة الوصول إلى المساعدات الغذائية، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه في 14 أكتوبر تعذر الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات، بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. وحذّر البرنامج من احتمال إجراء تخفيضات كبيرة في المساعدات اعتبارًا من نوفمبر ما لم يتوفر تمويل إضافي.
كما أشارت الإحاطة إلى تزايد مخاطر النزوح وصعوبة الوصول إلى مواقع النازحين، في ظل استمرار المواجهات المسلحة وتدهور الأوضاع المعيشية. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة الصادرة في 13 أكتوبر، بلغ عدد النازحين المسجلين منذ بدء التصعيد 217,303 أشخاص، أي ما يعادل 36,216 أسرة، فيما قدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نزوح أكثر من 250 ألف شخص في اليمن خلال الفترة من 1 أغسطس إلى 17 أكتوبر، مع اختلاف نطاق الرصد ومنهجية التقدير بين الجهتين.
وفي قطاعي المياه والصحة، حذّر المركز من تداعيات نقص الوقود والإمدادات على الخدمات الأساسية، مشيرًا إلى اتهامات السلطة المحلية لجماعة الحوثي بمنع دخول صهاريج مياه الشرب القادمة من آبار الضباب. كما نقل تحذيرات مكتب الصحة من أن وصول مخزون الأدوية والمحاليل والوقود إلى مستويات حرجة يهدد حياة 1,110 مرضى بالفشل الكلوي و192 مريضًا في العناية المركزة.
ودعا المركز إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تدفق السلع والخدمات الأساسية إلى المدينة، وفي مقدمتها الاتفاق على ساعات عبور ثابتة ومعلنة عبر طريق الضباب، وتأمين مرور الشاحنات وصهاريج المياه والمرضى والمواطنين دون عوائق، وتوفير الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه والمستشفيات، وتأمين الأدوية والمحاليل الطبية للمرضى الأكثر عرضة للخطر.
وأكد المركز أهمية توفير ضمانات وتسهيلات للتجار للحد من مخاطر التوريد وتشجيع استمرار النشاط التجاري، مع نشر بيانات المخزون السلعي بصورة دورية، محذرًا من أن استمرار الإغلاق المتقطع قد يؤدي إلى استنزاف المعروض وارتفاع الأسعار مجددًا، فضلًا عن تآكل القاعدة التجارية والاستثمارية للمدينة.
ورجّح المركز استمرار حالة الاضطراب خلال الأسبوعين إلى الأربعة المقبلة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تسوية تضمن انتظام فتح الطرق أو إنشاء ممرات إنسانية وتجارية آمنة، داعيًا إلى تحرك عاجل لتجنب مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والإنسانية لسكان تعز.
للاطلاع على الورقة كاملة من هنا: http://www.yemenief.org/Download_Center/docment/doc_4177.pdf